أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

339

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ممن يقول : إنّ نفي المستقبل بعدها يعمّ جميع الأزمنة المستقبلة صحيح ، لكن لمدرك آخر ، وهو أن الفعل نكرة ، والنكرة في سياق النفي تعمّ ، وللبحث فيه مجال . والاستدراك في قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ » واضح . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف اتصل الاستدراك في قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ » ؟ قلت : اتصل به على معنى أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ، ولكن اطلب نظرا آخر ، وهو أن تنظر إلى الجبل . وهذا على رأيه من أن الرؤية محال مطلقا في الدنيا والآخرة . قوله : جَعَلَهُ دَكًّا قرأ الأخوان « دكّاء » بالمد ، على وزن حمراء ، والباقون « دَكًّا » بالقصر والتنوين ، فقراءة الأخوين تحتمل وجهين ، أحدهما : أنها مأخوذة من قولهم : ناقة دكّاء أي : منبسطة السّنام ، غير مرتفعة ، وإمّا من قولهم : « أرض دكّاء » للناشرة ، وفي التفسير أنه لم يذهب كله ، بل ذهب أعلاه ، فهذا يناسبه . وأما قراءة الجماعة ف « دك » مصدر واقع موقع المفعول به ، أي : مدكوكا ، أو مندكا ، أو على حذف مضاف ، أي : ذا دكّ . وفي انتصابه على القراءتين وجهان ، المشهور : أنه مفعول ثان ل « جعل » بمعنى « صيّر » . والثاني - وهو رأي الأخفش - : أنه مصدر على المعنى ، إذ التقدير : دكّه دكّا . وأما على القراءة الأولى فهو مفعول فقط ، أي : صيّره مثل ناقة دكّاء ، أو أرض دكّاء . والدكّ والدقّ بمعنى ، وهو تفتيت الشيء وسحقه ، وقيل : تسويته بالأرض . وقرأ ابن وثاب « دكّاء » بضم الدال والقصر ، وهو جمع « دكّاء » بالمد ، ك « حمر » في حمراء ، و « غرّ » في غرّاء ، أي : جعله قطعا . قوله : « صَعِقاً » حال مقارنة . والخرور : السقوط ، كذا أطلقه الشيخ ، وقيده الراغب بسقوط يسمع له خرير ، والخرير يقال لصوت الماء والريح ، وغير ذلك مما يسقط من علوّ » . والإفاقة : رجوع الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنون ، أو سكر ، ونحوهما ، ومنه إفاقة المريض ، وهي رجوع قوته ، وإفاقة الحلب ، وهي رجوع الدّرّ إلى الضرع ، يقال : استفق ناقتك ، أي : اتركها حتى يعود لبنها . والفواق : ما بين حلبتي الحالب ، وسيأتي بيانه ، إن شاء اللّه تعالى . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 144 إلى 146 ] قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ( 145 ) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) قوله : بِرِسالاتِي . أي : بسبب . وقرأ الحرميان برسالتي بالإفراد ، والمراد به المصدر ، أي : بإرسالي إياك ، ويجوز أن يكون على حذف مضاف ، أي : بتبليغ رسالتي . والرسالة : نفس الشيء المرسل به إلى الغير . وقرأ الباقون بالجمع اعتبارا بالأنواع ، وقد تقدم ذلك في المائدة ، والأنعام . وقرأ العامة « وَبِكَلامِي » وهو محتمل أن يراد به المصدر ، أي : بتكليمي إياك ، فيكون كقوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، وقوله : 2304 - . . . * فإنّ كلامها شفاء لما بيا « 1 »

--> ( 1 ) عجز بيت لذي الرمة وصدره : ألا هل إلى من سبيل وساعة * . . . انظر ملحقات ديوانه ( 670 ) ، الهمع ( 2 / 95 ) .